الخميس، 25 أغسطس، 2016

رهاب الصعبانيات و مصمصة الشفايف

بمرور الوقت أفهم أكثر ، أفهم إننى لا استطيع فهم مشاعرى ، وان عدم الاهتمام هو بالتأكيد مصطنع منى ، أوحيلة دفاعية ، الانكار امام نفسى اننى لا اتألم ، لا ادرى ربما هو اعتياد الالم لدرجة عدم الشعور به ، او الخوف من الشعور بالالم الموجود اذا قل درجة الوجع او اختفت فأدرك الوجع الذى اعتادته.
هجوم النسيان عاد على فترات متقاربة ، وفى مقابل النسيان تظهر مشاهد تسجيلية من حياتى، أراها على شاشة خيالى كأنها تحدث لأول مرة، أحيانا لا أنسى أى شئ ، بل أتذكر اقل التفاصيل وأدقها هو فى الحقيقة لا اتذكرها هي فقط تعرض أمامى وأراها مرة أخرى أولى.
الطبيب النفسى يؤكد أننى لا اشكو من أى شئ ، فقط احتاج إلى الراحة وبعض الترفيه والبعد عن الضغوط، نصحنى بتناول فيتامينات سينترم لمدة شهر واحد.
فى الغالب لن ألجأ الى طبيب أخر، الا لو قررت ان أكف عن اختلاق الحكايات، وان اركز فى حكايتى الحقيقية، ولكن أى حكاية ؟
أقف كل صباح أمام المرآة أتمرن على ثبات ملامحى ، يجب الا تظهر اى تعبير ، لا تضحك ولا تعبث ولا تظهر اى شئ
ولكن تطاردنى الاسئلة عما بى
اقف عند اقرب مرأة أو انظر الى شاشة الهاتف لارى صورتى المنعكسة عليها
سألنى : هل تذكر أول مرة نجحت فيها فى أخفاء مشاعرك ؟
جاوبته بكل تلقائية : يوم وفاة أبى .
صمت لحظة فأكملت : هو فى الحقيقة لم استطع اخفاء مشاعرى، أنا كتمت البكاء وحافظت على ثبوت ملامح وجهى ولكنى كنت أجز على أسنانى ، وقبل مرور الليلة الأولى بعد الوفاة لاحظت وجود كسور فى دروسى وكأنها تأكلت
الدروس اليسرى انكسرت ، واليمنى التوى احدهم حتى خلعته بعدهابفترة.
كنت أعتقد ان لا احد يستطيع ملاحظة اسنانى وفمى مغلق عليها ، لكن عضلات فكى كانت نافرة ومتوترة ، والحركات اللا ارادية فى عينى والتى ظننتها ( رفة ) لم تكن سوى بكاء الم استطع إخفاءه.
الكل تحدث عن عدم بكائى وقسوة قلبى ، وفى كل جنازة أو سرادق عزاء يتذكر البعض أننى لا ابكى احد ولا أحزن لمفارقة حبيب أو قريب.
كرد فعل منى على موقف اتفق اخوتى فيه وكنت انا الخاسر فيه ، قررت الا أحادثهم مرة أخرى
ثلاثون عام تقريبا لم نتصافح او نتبادل الكلام ، بل أكثر من ذلك ، كنت أقف على باب بيتى -الذى رحلت اليه قبل موقفى منهم - منذ عدة أيام وجائت الى أمرأة تسألنى عنى ، هل هذا بيت فلان ( وذكرت اسمى ) أجبتها بالايجاب ولم أخبرها اننى هو ، وبالاخد والحوار اتضح انها أخت غير شقيقة ، نسيت شكلى ولم تتعرف على، وانا ايضا لم اتعرف عليها.
ونجحت فى أخفاء غضبى وأخبرتها ان البيت بيته ولكنه ليس موجود ، خرج منذ فترة ومن الممكن ان يكون فى اجازة مصيف لن يعود منها قبل انتهاء الصيف.
نظرت الى عينه وانتظرت ان يمصمص شفتيه ويتنهد ويقول : يا حرااام.
لكنه لم يفعلها ، نظر إلى من فوق نظارته الزجاجية وابتسم قائلا : جميلة تلك القصة فكر ان تكتبها وتضمها لمجموعتك القصصية القادمة.
ابتسمت له : ايه ده هو انا مكشوف اوى كده؟
فيومئ أسه بالايجاب
أخرج من عنده وأنا أحدث نفسى أن الناس يصدقون الكذب وينكرون الحقيقة